نظرية الأطوار الخلقية في القرآن(بحث معمق)

{إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}

المشرف: خادم العباس (ع)

نور المندلاوي
مهدوي مبتدئ
مهدوي مبتدئ
Posts in topic: 1
مشاركات: 2
اشترك في: الاثنين مارس 23, 2020 12:00 pm
الراية: أخت زينبية

#1 نظرية الأطوار الخلقية في القرآن(بحث معمق)

مشاركة غير مقروءة بواسطة نور المندلاوي » السبت مارس 28, 2020 12:17 pm

منقول من الموسوعة القرآنية للسيد القحطاني (الجزء الثالث)

الفصل الرابع

نظرية الأطوار الخلقية في القرآن

تمر مراحل الخلق البشرية بخطوات مهمة وأطوار أساسية ، يتم بواسطتها تهيئة وصقل الإنسان عبر تدريجات غاية في الدقة أوجدها المولى عز وجل ليجعل عبده قادراً على مواجهة معترك الحياة بمتغيراته الكثيرة ، ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الأطوار في كتابه بقوله {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } نوح14.
وأصل الأطوار هي إنتقال الأحوال حال بعد حال ، أما المفسرون فقد اجمعوا على إن هذه الآية تخص الدورات السبعة التي تضم مراحل النشأة وتكوّن الإنسان وولوجه إلى عالم الدنيا .
ومع صحة هذا القول لكنه غير تام ويبقى عاجزاً عن سبر أغوار الأصول الخلقية التي يمر بها الإنسان والتي تبقى مستمرة ومتجددة بعد ولادته ، وقد تكون هذه الأطوار مختلفة من شخص لآخر في بعض الأحيان مع تشابهها في المراحل التي قطعها قبل عملية الولادة .
إن هذه النظرية تصحح النظرية التي طرحها ( دارون ) والتي أشتبه فيها بقوله : ( إن أصل الإنسان قرد ) والواقع إن نظرية التطور صحيحة ولكن ليس مثلما طرحها دارون ، وفي نظريتنا هذه يمكن تقسيم الأطوار الخلقية إلى أربعة أقسام:

أولاً : الطور الجمادي
وهو أول طور يمر به الخلق الإنساني في مراحل تكوينه الأولية المتأتية أصلاً من التراب وسوف نتطرق إلى (عملية الإنبات المتواصلة في الخلق البشري ).
إن عملية تخصيب النطفة مع الويضة لا تتم إلا بعد إشتراك ذرة التراب معها ، والكلام هنا عن إستمرارية نشوء الخلق المتواصلة بعد آدم ( عليه السلام ) ، وبالتالي فإن أصل خلق الإنسان هو من التراب والتراب من الجماد كما هو معلوم ، قال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} الروم20..

ثانياً : الطور النباتي
تبدأ مرحلة الطور النباتي بعد نجاح عملية التخصيب المتكونة من الحيمن الذكري والبويضة وذرة التراب ، فالحالة النباتية لا تتم إلا بوجود التراب ، وهناك ترابط بين عملية التخصيب والأرض الخصبة التي ينبت فيها النبات ، فعند تمام هذه العملية ( عملية التخصيب) تنبت بذرة الجنين في الرحم ، قال تعالى {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً } نوح17.

ثالثاً : الطور الحيواني
إن ولادة الخلية في الجنين هو بداية الحياة ، فإن الخلية تعتبر مصنعاً كيميائياً صغيراً يعمل بدقة متناهية ، حيث يحتوي على مركز تحكم يخبرها بما ينبغي أن تفعل ، ومتى تفعل ذلك ، وهي تحتوي أيضاً على محطات قدرة تقوم بتوليد الطاقة التي يحتاجها الجنين .

رابعاً : الطور الإنساني
بعد اكتمال مدة أربعة أشهر وعشرة أيام يكون ولوج الروح في الجسد ، فقوله تعالى {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} الحج 5، أي إن الأولى تامة الخلق والثانية لم تصل إلى طور الخلقة الإنسانية بإنبعاث الروح في الجسد .
وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة الطور الإنساني وهي مرحلة الإكتمال الخلقي ، فعند ذلك يطلق عليه قول إنسان فعلياً ، وإن هذه النظرية سوف تثبت لنا تحققها حتى بعد الولادة ، لأن أعضاء الجسم كلها في تطور مستمر وهذا الأمر نعيشه يومياً في كافة خلايانا المختلفة بل إن العلم الحديث أثبت في آخر اكتشافاته بأن عملية التغيير والتطور تكون في كل لحظة وبكميات هائلة .
فقد توصل العلماء إلى إن جسم الإنسان يفقد 50 مليون خلية في اليوم الواحد وتولد فيه 50 مليون خلية مكإنها ، وأثبت العلم المعاصر إن عملية التطور المستمرة هذا يتفاوت المدى الزمني بينها ، فكل خلية من خلايا الجسم تختلف عن الأخرى في دورة حياتها وإندثارها ونشوء البديل الذي يحل محلها باختلاف وضيفتها التي تؤديها .
هذا التطور يحصل في الأعضاء والخلايا التي هي ليست واضحة للعين أما الواضحة للعين وهي ضمن الملموس كمراحل ولادة وتطور واندثار الشعر والأضافر فلا حاجة لشرحها لكونها بينة للجميع .
ويمكننا الجزم بأن كل شيء في جسم الإنسان هو في تطور ويكون خاضعاً لنظرية الأطوار الخلقية بشكل أو بآخر ، فجسم الإنسان كله في تطور ، وكمال الإنسان في تطور ، وروحه في تطور ونفسه في تطور ، وعقله في تطور ، فلو أخذنا العقل مثلاً لوجدناه يمر في نفس الأطوار الأربعة التي ذكرناها سلفاً ، فعقل الإنسان في البداية يمر بمرحلة الطور الجمادي والطفل في أول نشأته ليس لديه عقل ليميز المفيد من الضار ، ثم يمر العقل في مرحلة الطور النباتي عندما يبدأ بالحبو والمشي شيئاً فشيئاً والذي يستطيع من خلال ذلك اكتشاف الأشياء المحيطة به ومعرفة تأثيرها سلباً وايجاباً وبشكل تدريجي ، وتستمر هذه المرحلة حتى بلوغ سن التكليف الذي يبدأ فيه مرحلة الطور الحيواني .
وتستمر عقليته بالتنمي والرجحان لحين بلوغه سن الأربعين الذي يصل فيه إلى مرحلة الطور الإنساني وهي شدة العقل بدليل قوله تعالى {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إليك وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } الأحقاف15.
وقوله تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ }- القصص14.
إذن فعملية التطور والكمال متواصلة في الجسم ولولاها لم يتبدل شيء مما ذكرنا أبداً ، ومن خلال هذه النظرية سوف نجد حالات نباتية في جسم الإنسان كالشعر مثلاً ، وحالات جمادية كالعظم وغيره ، وأيضاً حالات حيوانية وإنسانية ، وهي تختلف بالطبع من شخص إلى آخر فتتدخل الطباع والأحاسيس بشكل مباشر في بعض الحالات ، فتطغى الحالة الحيوانية عند شخص ما فيصبح مفترساً أو هائجاً كالحيوان في بعض الأحيان .
أو تطغى عاطفته فيحنى على من يكونون حوله ، وهي الحالة الإنسانية ، وكذلك يمكننا الربط بين أعضاء الجسم والنباتات التي حوله وذلك من خلال نظرية المشابهة بين الداء والدواء التي سوف تطلع على خفاياها في هذا الكتاب.
فتكون الموجودات الخارجية متواصلة من بين أطوارها المختلفة كي تتواصل مع بعضها البعض ، فجعلها الله تعالى مرتبطة فيما بينها من أجل أن تكون المملكة متصلة ، فكانت نقطة الترابط بين الجماد والنبات هي المرجان ، فالمرجان هو جماد كما هو معروف لكن هذا الجماد المتكون من الكتل الضخمة التي تحوي الشعاب المرجانية ، و هي كتل كلسية صماء في صخور يعيش داخل هذا الهيكل الكلسي المرجان المتكون من طحلب وحيد الخلية وله دور أساسي في إفراز الهيكل الكلسي في المرجان ، وتحتاج هذه الطحالب إلى الضوء لتقوم بعملية التركيب الضوئي مما يحدد العمق الذي ينمو فيه كل نوع من المرجان .
وبذلك فهو يتصل بالنبات من خلال عملية التركيب الضوئي ، فهو جماد ولكن حالته نباتية قد جمعت بين الجماد والنبات .
وجعل النخلة نقطة الترابط بين النبات والإنسان ، فإن فيها الكثير من الصفات الإنسانية التي لا توجد عند غيرها من الأشجار ، فهي الشجرة الوحيدة التي لو قطع رأسها ماتت.
ومن أمراضها سقوط الثمرة بعد الحمل (الإجهاض) وعلاجه أن يتخذ لها منطقة من الأسرب وهو الرصاص تنطرق به فلا تسقط بعدها .
ومن عجيب أمرها إنك إذا أخذت نوى تمر من نخلة واحدة وزرعت منها ألف نخلة جاءت كل نخلة منها لا تشبه الأخرى .
والنخيل أصناف عديدة .. فمنها النخيل الطويل ومنها القصير ومنها العريض والنحيف ومنها التمر الأحمر والأسود والأشقر وغيرها ..وكذلك البشر ففيهم الطويل والقصير .. والأسمر ..
وهم سلالات وعشائر والنخيل سلالات وعشائر.. فسبحان الله على هذا التشابه .
وما إلى ذلك من الأمور الأخرى التي تدل على إن النخلة تعيش حالة حيوانية مع إنها نبات .
وجعل القرد نقطة الترابط بين الحيوان والإنسان ، فالمعلوم إن القرد له حركات وأفعال مشابهة تماماً لأفعال وحركات الإنسان ، فلا يستطيع أي حيوان آخر غير القرد القيام بها ، وبذلك فإن القرد يعيش حالة إنسانية مع كونه حيواناً .
وكل هذه الأمثلة فيها دلالة واضحة على وجود مراحل التطور ونظرية الأطوار في كافة المخلوقات ، ونظرية التطور موجودة في القرآن ، والله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء ومتحكم في كل شيء ، وهو جل وعلا يقول { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } الرحمن29. أي في كل وقت وحين يحدث أموراً ويجدد أحوالاً ، وكذلك يقول {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأولِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } ق15 .
أي إن الخلق يتجدد بصورة مستمرة ، والدورات السبعة أيضاً تدل على التطور ، قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فإنا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ } الحج5 ، وذلك يدل على التركيب فكل مرحلة تختلف عن الأخرى فعند قوله ( ثم) يعني مرحلة إنتقال من حال إلى آخر أي إن الإنسان يتواصل في الإنتقال والتطور حتى يصل إلى مرحلة التكامل وتستطيع أخي المؤمن أن تلاحظ انطباقات عديدة لهذه النظرية الشاملة عند جميع الكائنات ، فإن المولى تبارك وتعالى خلق كل شيء فقدره تقديراً فتبارك الله أحسن الخالقين .


العودة إلى ”واحة القرآن الكريم“