الجذور التاريخية لنهر العلقمي

المشرف: فدك

صورة العضو الرمزية
صدى المهدي
مهدوي متقدم
مهدوي متقدم
Posts in topic: 1
مشاركات: 374
اشترك في: الأحد مارس 11, 2018 9:24 am
الراية: أخت زينبية

#1 الجذور التاريخية لنهر العلقمي

مشاركة غير مقروءة بواسطة صدى المهدي » الخميس يونيو 11, 2020 10:03 pm

العلقمي ... لهذا الاسم أهمية تاريخية وتأثير كبير على المخيال الشعبي فما أن يُذكر حتى تنثال صور البطولة والفداء والايثار التي جسدها بطل العلقمي وسيد الوفاء أبو الفضل العباس (عليه السلام) عند ضفافه، فخلدته دماء الشهادة منذ اصطبغت ذاكرته بنجوى سيد الماء وهو يرتل سورة الخلود:

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني *** وبعده لا كنتِ أو تكوني

هـذا حسيـنٌ واردُ الـمـنـونِ *** وتـشـربـيـنَ بـاردَ الـمـعـينِ

إنها النجوى التي تبرعمت إلى مئذنتين وصرح ترفرف عليه راية الإباء المكللة بأروع معاني السمو

نهر العلقمي

جاء ذكر هذا النهر في كل المصادر التي تحدثت عن كربلاء وواقعتها وتاريخها وجغرافيتها قديماً وحديثاً، وتعدّدت أقوال المؤرخين والمؤلفين حول مكان هذا النهر وتاريخه ومن حفره وسبب تسميته وأين ذهب ؟؟

وبالرجوع إلى التواريخ نجد أن هذا النهر كان موجوداً بمسمَّيات عدّة وقد مرّ بمراحل عديدة، يقول السيد محمد حسن مصطفى الكليدار آل طعمة: (إن النهر قد اتجه اتجاهات متعددة في أدواره الغابرة، فلذا نجد للنهر أسماء عديدة كل منها يعود إلى عصر خاص يتبع التسمية التي عرف بها في ذلك العصر) (1)

وهذا يعني أن حاله كحال المدن والبلاد القديمة التي غُيِّرت أسماؤها في تقادم الزمن ويدلنا على ذلك ما ذكره العلامة المحقق الشيخ مجيد الهر من أن: (هذا النهر كان باقياً إلى أيام فناخسرو وهو عضد الدولة البويهي (325 ــ 373 هـ / 937 ــ 983 م) ثاني ملوك بني بويه والذي حكم من (339 ــ 373 هـ / 951 ــ 983 م)، غير أنه علته الرمال فأمر فناخسرو بكريه وتنظيفه من رواسبه فأعاده كما كان قديماً فقال له أحد حاشيته: غيِّر اسمه واجعله باسمك. فقال له فناخسرو: لا, يبقى باسم مؤسسه علقمة). (2)

وهذه الرواية تؤكد أن كل من قام بكريه وتنظيفه وإجراء أعمال الصيانة عليه كان يسمّيه باسمه أو يطلق الناس اسمه على النهر كما تدل على أن النهر كان معروفا بهذا الاسم.

أما علقمة هذا فقيل هو الذي حفر النهر بأمر فناخسرو وهو جد ابن العلقمي الوزير على أحد الأقوال في ذلك (3) وهو ما تبنّاه الشيخ محمد السماوي فقال في أرجوزته (4)

كانَ الفراتُ من على الأنبارِ ** يأتي إلى بابلَ وهو جارِ

وكل من يرومُ سقيَ أرضِه يشقّ نهراً جارياً من عرضه

فشق منه الغاضريون فما *** اعتم أن جرى لكربلا بما

ليزرعوا فيه ويدركوا السبب فعزي النهرُ إليهمْ وانتسبْ

وشقّ فناخسرو نهراً رسمه *** لـكـربـلا وناطه بعلقمه

الأسدي جـدّ آل العلقمي *** فـأصـبـحَ النهرُ إليه ينتمي

وقيل إن علقمة الذي سمِّيَ النهر باسمه هو رجل من بني بن دارم بطن من بني تميم جدهم علقمة بن دارم وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري (5)، ولا يخفى التعارض في الروايتين فالأول أسدي والثاني تميمي، إذن فلا يمكن الاعتماد على الروايتين خاصة وإن هناك روايات في مصادر كثيرة تاريخية وجغرافية ولغوية تشير إلى أن هذا النهر ــ العلقمي ــ كان موجوداً قبل القرن الأول الهجري (6). كما لا يمكن أيضاً الاعتماد عليهما لعدم توفر القرينة ومجرد تطابق الاسم لا يعني أنه حفره. ومن الأقوال الأخرى في سبب تسميته بالعلقمي أيضا كثرة وجود العلقم حوله.

ولا يعترف السيد عبد الرزاق المقرم بهذه الأقوال الثلاثة ويرد عليها بالقول: (نعم، لم يُعرف السبب في التسمية به، وما قيل في وجهها: (إنّ الحافر للنهر رجل من بني علقمة، بطن من تميم، ثُمّ من دارم جدّهم علقمة بن زرارة بن عدس لا يعتمد عليه، لعدم الشاهد الواضح.

ومثله في ذكر السبب كثرة العلقم حول حافتي النهر، وهو كالقول بأنّ عضد الدولة أمر بحفر النهر ووكله إلى رجل اسمه علقمة، فإنّها دعاوى لا تعضدها قرينة، على أنّك عرفت أنّ التسمية كانت قبل عضد الدولة). (7)

الفرات

من الروايات التي ذكرت هذا النهر وأشارت إلى بعض أسمائه وهو (الفرات) وسبب تسميته والتي يستشف منها وجوده تاريخيا ما جاء في خطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) (38 ــ 95 هـ / 685 ــ 713 م) في الكوفة قوله: (أنا ابن المذبوح بشط الفرات ..) (8)، ومنها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) (83 ــ 148 هـ / 699 ــ 765 م) قوله لصفوان الجمال: (من اغتسل بماء الفرات وزار قبر الحسين عليه السلام ..) (9)

وقوله (عليه السلام): (إذا أتيت قبر الحسين عليه السلام فأت الفرات واغتسل بحيال قبره، وتوجه إليه ..) (10)

وقوله (عليه السلام): (إذا اغتسل من ماء الفرات وهو يريده تساقطت عنه خطاياه كيوم ولدته أُمّه). (11)

وهذه الروايات وغيرها تدل بوضوح على وجود النهر وكان من أسمائه المعروفة الفرات لاشتقاقه من الفرات والعرب تطلق اسم الجزء على الكل والكل على الجزء، ومن الروايات التي ورد فيها هذا الاسم ــ الفرات ــ ما روي في التواريخ والمقاتل أن الحر بن يزيد الرياحي لما التقى بالإمام الحسين كان من بعض كلامه له قوله: (انزل بهذا المكان والفرات قريب منك). (12)

وقول زهير بن القين للإمام الحسين: (فسر بنا حتى نصير بكربلاء فإنها على شاطئ الفرات ...) (13)

ومنها لما سأل الإمام الحسين عن اسم هذه الأرض ــ أي كربلاء ــ فعدد المجيب أسماء عدة منها: (شاطئ الفرات) (14)

وهناك روايات كثيرة أكدت على أن هذا النهر كان يسمى بالفرات في وقت نزول الإمام الحسين (عليه السلام) كربلاء.


لقب العلقمي

يتضح من كل ما سبق أن كل من نسب إليه حفر النهر بعد سابور إنما هو عملية كري وتنظيف وإزالة الرواسب وتجديد للنهر فأطلق المؤرخون على هذه العملية (حفر) لذلك حدث خلط كبير في الأسماء لكثرة من قام بهذه العملية.

أما بالنسبة لملازمة اسم العلقمي لهذا النهر وقد اتضح من خلال الروايات التاريخية أنه كان يسمى بـ (العلقمي) قبل ولادة ابن العلقمي بقرون فإن اللقب قد جاء لابن العلقمي نسبة إلى النهر وليس العكس كما يقول الشيخ محمد حسين الساعدي: (أن أسرته ــ أي ابن العلقمي ــ كانت تسكن في منطقة هذا النهر ثم نزحوا منه إلى النيل في الحلة، وإن المألوف لدى العرف العشائري أن النسبة إمّا أن تكون إلى الجد الأعلى للعشيرة، أو إلى المكان الذي تعرف به الأسرة ومن ذلك البغدادي، الدمشقي ، العكبري، النيلي .. الخ وعلى هذا الأساس فإن الوزير مؤيد الدين أسدي الأصل منسوب إلى نهر العلقمي لا غير) (33) وهذا ما لا يدع مجالا للشك إن لقبه جاء نسبة إلى هذا النهر.

أما بالنسبة للقول بأن أحد أجداد ابن العلقمي كان يدعى علقمة وهو من حفر النهر فهناك كثير من الأدلة التاريخية التي تنقضه فهو (من التهافت ما لا يسع الاعتداد به) و(ليس في أجداده من يسمى بعلقمة) (34)

العلقم

بعد أن اتضح تاريخ هذا النهر الذي يعود إلى سابور ذي الأكتاف (309-379 م) وهو سابور بن هرمز بن نرسي الذي ولد ملكا حيث تم تتويجه وهو في رحم أمه فوضع تاج الملك على بطن أمه، أما تسمية النهر بالعلقمي فقد ورد فيه قولان هما:

1 ــ لشدة حلاوة مائه وصفائه وهو من باب تسمية الشيء بضده وهو مشهور في كلام العرب وهو ما يعرف: (لفظة واحدة تحمل المعنى وعكسه) أو (اللفظ الدال على معنيين متقابلين)

2 ــ أنه أصبح في فترة من الفترات شحيحاً جداً فنبت فيه العلقم (الحنظل) فاطلق عليه اسم العلقمي (35)

ويرجح الأستاذ عبد الحسين الرحيم القول الثاني فيقول: (والرأي عندي إن أقرب الروايات إلى المعقول هي الرواية التي تقول بكثرة ثمار العلقم على حافتي النهر لأنها ثمار معروفة تكثر بالصحراء ولعل امتداد أراضي كربلاء واتصالها بالهضبة الغربية قد تسبب في ذلك من خلال انتقال بذور هذا النبات بطريق الرياح) (36)



محمد طاهر الصفار-العتبة الحسينية المقدسة - بتصرف


العودة إلى ”الواحــة العامـــــة“